تحذير عجيب للأكراد
دلشا يوسف
دلشا يوسف

تحذير عجيب للأكراد

 

 

دلشا يوسف

dilshaysuf@yahoo.com

 

هناك مثل كردي باللهجة الكرمانجية أترجمه بهذه العبارة ( من يحترق لسانه بالحليب الساخن، ينفخ بعد ذلك حتى في اللبن). في الحقيقة يطبقّ هذا المثل على وضع الأكراد سياسيا عبر التاريخ حيث تعرضوا لمرات عديدة الى نكسات و نكبات نتيجة ضعف قوتهم كشعب لم يملك كيانا مستقلا بذاته في اي مرحلة تاريخية و بالتالي عدم قدرته على رسم سياسة مستقلة تخصّه و تحقق آماله. تحكّمت القوى الخارجية بالكرد وعملوا دائما من اجل اخضاعهم لرغباتهم استخدامهم من أجل تحقيق مصالحهم و لهذا لم يتخلّص الكرد من حالة الخوف و عدم الثقة بالنفس و بالآخرين، لا في الماضي و لا في المرحلة الحالية.

 

الى جانب ذلك، فنحن كشعب لا نعرف الا القليل عن تاريخنا لهذا نستطيع التأكيد على مسألة مهمة و هي و حينما نعكس العلاقة الجدلية بين الأمور ستقودنا الحقيقة لأمر اننا ضعيفي المعرفة بتاريخ الشعوب الأخرى ايضا. لذا كان من الصعب علينا معرفة ما يجري حولنا و ما تحاك من سياسات و مؤمرات بحقنا و كيف تم سبكها.

 

يساورني شك دائم و قد يشاركني في ذلك غالبية الأكراد سواء كانوا اناسا عاديين أو ساسة حول مسألة عالقة و هي اين يكمن موقعنا الحقيقي كأكراد في السياسات الدولية و بالأخصّ سياسات الدول الكبرى؟ هل الساسة الأكراد متيقظين في المرحلة الحالية بما فيه الكفاية كي لا نصبح كماشة بيد القوى العالمية و نتعرّض لنكسات و نكبات جديدة و ان غيرّت من أشكالها؟ هل تجاوزت كل من امريكا و اوروبا سياساتها و استراتيجياتها القديمة بشأن الأكراد؟

 اوقفني تحذير قرأته في جريدة ملليّيت التركية جاء فيها على لسان( هرانت دينك) سكرتير تحرير جريدة ( آغوس) حيث يحذّر الأكراد من مغبة الوقوع من جديد في شباك المؤامرة كما حصل للأرمن في الماضي. صرّح دينك برأيه حول هذا الموضوع في الندوة الفكرية الثالثة التي تقيمها جمعية رجال الأعمال في مدينة ملاطية الكردية الواقعة في شمال كردستان. حيث قال: "حصل خطأ في الماضي حينما وضع الكرد ثقتهم في الأنكليز الألمان، الفرنسيين و

الروس. على الكرد ان لا يثقوا بالوعود الأمريكية في انشاء دولة كردية". و يضيف( دينك) مفسرا عملية وقوع الأرمن في شباك المؤامرة، املا منهم في التخلّص من العثمانيين.قائلا: " تتكرر المؤمرات الإنكليزية، الفرنسية، الروسية و الألمانية على هذه الأرض لمرة اخرى. ففي الماضي منح الأرمن ثقتهم لهؤلاء، ظنا منهم انهم بذلك سيتخلصّون من ظلم العثمانيين. لكنهم أخطأوا لأن هؤلاء قاموا بتحقيق اللازم من أجل انفسهم و رحلوا تاركين ورائهم الشعوب المتآخية تقتل بعضها البعض"

 

كذا ادعى( دينك ) في مجرى حديثه بأن ( الأكراد يكررون التجربة الأرمنية الآن و يصبحون آلة للمؤامرة، فأمريكا تستخدم الأكراد في شمال العراق بحجة انه سيؤسس لهم دولة مستقلة). بالتالي دعا الكرد الى ترك الحسابات السياسية و الخلافات الحزبية الى جنب) متهما امريكا بدولة المصالح، حيث تقوم باللازم و تنسحب بعدما تحقق مصالحها. بعد ذلك تدّب النزاعات بين شعوب المنطقة.

 

نعم نحن من يعيش على هذه الأرض و نحن من عانى و ما يزال من المؤمرات المتتالية من قبل القوى الكبرى حفاظا على مصالحها في المنطقة و قد لا يكون من الجائز ان نصيغ السمع لتحذيرات الآخرين و لكن هذا لا يمنعنا من مراجعة انفسنا و طرح سؤال اثر آخر و ايجاد الأجوبة الناجعة لها. كي لا تتكرر النكسات النكبات على ارضنا الذي كان دائما محط طمع العالم و نوايا الإهتمام بمنطقتنا واضح جدا حيث يختلف اهداف هذا الإهتمام مع اختلاف الزمن و تحت اسماء مختلفة و تأتي الديمقراطية كمفهوم تتشدق بها القوى الكبرى و تروّج لتجسيدها في المنطقة من اكثر العناوين البراقةّ لهذه النوايا.

 

لكن السؤال المهم و الحاسم هنا هو اين السياسات الكردية بصدد هذا؟ و هل لديها القدرة على فك طلاسم نوايا و استراتيجيات الدول الكبرى بصدد الكرد؟ و هل سيعمل ساستنا هذه المرة حسب ما تمليه عليهم شعورهم الكردي الصرف و الحقيقي الذي سيجعلهم يتجاوزون جميع الخلافات و النزاعات و يصنعون السياسة و القرار بأنفسهم ولنتخلّص نحن من شكوكنا؟